في بداية الاصحاح  الرابع عشر نقرأ الكلمات وكان الفصح والفطير بعد يومين وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه السيد المسيح تبارك أسمه بمكر ويقتلونه. لماذا كان رؤساء الكهنة يطلبوا كيف يمسكون الرب يسوع ويقتلوه وهو المكتوب عنه أنه جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم ابليس؟

هناك سبب أساسي وجوهري وهو سبب روحي دفين في هؤلاء الناس دفعهم لمحاولة صلب السيد المسيح له المجد وهو كمايقول الكتاب أن الإنسان الطبيعي، أي الإنسان العادي، الغير ممتلئ بروح اللـه أو المولود من اللـه لا يفهم أمور اللـه لأن عنده جهالة كما ما يقول الكتاب. لذلك هؤلاء الناس لم يستوعبوا أمر مجئ المسيح تبارك أسمه  إلى العالم ليخلص الخطاة بموته البديل عنهم. وهذا هو الذي جعلهم  ان يقاوموه بكل قوة وشدة. كانت هناك أيضا عدة أسباب ظاهرية واضحة وأن كانت ناتجة عن السبب الأول الذي تكلمنا عنه. وهذه الأسباب هي التعبير عن السبب الدفين. أهم هذه الأسباب أن المسيح له المجد في تعاليمه ساوى نفسه بالـله مدعياً أنه ابن اللـه أي اللـه الظاهر في الجسد. سبب ثاني أنه أقام لعازر من الأموات وهذا العمل سبب للسيد المسيح له المجد شهرة كبيرة فواصل الناس الإيمان به مما اثار حقد رؤساء الكهنة. سبب ثالث هو أنهم كانوا منتظرين المسيا الذي سيخضع الشعوب تحت أرجلهم فلما أتي المسيح وديعاً متواضعاً، شك فيه الجميع وقاوموه وطلبوا ان يمسكوه ويقتلونه.

 

بعد ما بدأ الأصحاح يتكلم عن تخطيط الكهنة والكتبة والفريسيين ليمسكوا يسوع ويقتلوه ينتقل سريعاً إلى قصة كسر قارورة الطيب التي قامت بها أحدى النساء. فما هي هذه القصة وأين هو موقع هذه القصة في هذه الأحداث؟

في هذه القصة تعاليم سامية مرتبطة باحداث الصليب. فالقصة تقول " وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الابرص وهو متكئ جاءت امراة معها قارورة طيب ناردين كثير الثمن. فكسرت القارورة وسكبته على راسه." ( مرقس 14 :1-9) وهنا نرى أن ما يبحث عنه الله سبحانه وتعالى في داخل الإنسان هو الحب والتقدير له، فاالموقف هنا لم  يكن يتحمل هذا الحدث لكن السيد المسيح قدره كل التقدير. فقارورة الطيب ناردين خالص كثير الثمن كما يقول الكتاب العزيز الحكيم وهذا يعني أن هذه المرأة كانت تكن كل محبة واحترام للسيد له كل المجد. الأمر الثاني هو اخبار السيد المسيح لتلاميذه بأنه سيموت ولكن لن يوضع على جسده العطور والحنوط التي تعودت النساء أن تضعها على جسد الميت في اليوم الثالث. لأن الكتاب المقدس يقول عندما ذهبت المريمات بالحنوط والعطور إلى القبر، وجدوا السيد المسيح له المجد قد قام. والأمر الثالث هو نبوءة الرب يسوع له المجد أن هذا الإنجيل سيكتب وسيكرز به في كل العالم.

 

ما هو المقصود بكلمة الانجيل الواردة في الآية 9عندما يقول الرب يسوع له كل المجد: “الحق "أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضاً بما فعلته تذكاراً لها"؟

المقصود بكلمة الإنجيل هنا، هو نفس هذا الإنجيل أو البشارة السارة التي نحن بصددها، وهو الذي شرحناه بالتفصيل في بداية دراستنا للإنجيل بحسب البشير مرقس، لأن الإنجيل هو مجموع التعاليم والأحداث والاعمال التي عملها الرب يسوع المسيح منذ مولده وحتى رفعه حيا إلى السماء. وهذا الإنجيل وأن لم يكتبه الرب يسوع بالحبر على أوراق أو الواح في الأرض أو السماء. لكنه كتبه له المجد بأقواله وأعماله ونقشه على قلوب تلاميذه وسامعيه وقاموا هم بدورهم مسوقين بالروح القدس أي روح المولى القدير جل شأنه بوضعه كاملاً على حياة وقلوب غيرهم من البشر إلى أن جاء اليوم الذي دون فيه اربعة من تلاميذ الرب يسوع المسيح  تبارك اسمه هذا في كتابات اربع عرفت بالإنجيل بحسب البشيرين متى ومرقس ولوقا ويوحنا.

 

في عدد 10 من اصحاح 14 يقول الإنجيل بحسب القديس مرقس أن يهوذا الاسخريوطي وهو واحد من الحواريين أو تلاميذ المسيح الاثنى عشر هو الذي مضى إلى رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم، كيف يمكن أن واحدا من تلاميذ السيد له المجد، بعد ما عاش معه كل هذه المدة، يصبح هو مسلمه لليهود؟

ليست العبرة بكم يقضي الشخص من وقت في اتباع المسيح له المجد او الصوم والصلاة ومحاولة اصلاح النفس لكن العبرة بالتغيير الحقيقي الذي لا بد أن يحدث للقلب والطبيعة الإنسانية. فكم من الناس الذين لهم صورة التقوى وهم يدعون أنهم تلاميذ المسيح أو يدعوهم الناس أولياء اللـه الصالحين لكن ما زالت قلوبهم غير مغيرة وبالتالي ما زالوا تحت ثقل خطاياهم وطريقهم الشريرة وهذا الذي عبر عنه السيد المسيح له المجد بنفسه عندما قال ليس كل من يقول لي يارب يارب يدخل ملكوت السموات. وبعض الناس ستقول له تبارك اسمه باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين. والكتاب يقول انه سيجيبهم ابعدوا عني ياملاعين إلى النار المعدة لابليس وجنوده أني لـم أعرفكم قط.

 

لكن ماهو السبب الذي دفع  يهوذا ان يعمل هكذا؟

إلى جانب عدم تغييره من الداخل، كان يهوذا كما ما وصفه الكتاب المقدس سارق ولص مع أنه كان مسؤول عن الخزانة أو بتعبير آخر كان أمين صندوق الجماعة. وقال عنه الكتاب العزيز أنه أحب أجرة الظلم ولما ذهب للكهنة جعلوا له ثلاثين من الفضة ليسلم المسيح لهم لأن يهوذا سألهم ماذا تريدون أن تعطوني وأنا اسلمه إليكم وهذا حسب رواية البشير متى. هذا بالاضافة أن الكتاب المقدس يقول أن الشيطان القى في قلبه أن يسلم المسيح له المجد وقد اطاع هو الشيطان.

 وأنا اريد ان أسألك سؤال: هل تعتقدين ان الذي  عمله يهوذا الاسخريوطي افظع من الذي عمله القديس بطرس في نفس الوقت عندما انكر المسيح أمام الجارية وقال ان لا أعرفه؟

 طبعاً لأن يهوذا ارتكب كما اظن اشنع خطية في حق المسيح وإلا كان ممكن أن الله سبحانه وتعالى يغفرها له كما غفر للبشير بطرس.

الحقيقة أنا ارى أن خطية بطرس الرسول لم تكن أقل بأي شكل في حق المسيح له المجد من خطية يهوذا. فبطرس انكر المسيح أمام العبيد والجواري وقال عنه أنه لا يعرف من هو المسيح، وفي الإنجيل بحسب البشير متى يقول عن بطرس الرسول أنه بعد أن انكر المسيح ابتدأ يلعن ويحلف أني لا أعرف هذا الرجل أي لا أعرف المسيح.

 

أذا ان كانت الخطيتان مثل بعض،  لماذا اختلفت النهاية ، بطرس الرسول رجع مرة أخرى إلى عداد التلاميذ ويهوذا مات مشنوقا؟

السبب الوحيد في ذلك أن بطرس عندما نظر إليه المسيح يسوع له المجد تأثر وتاب وبكى بكاء مرا، كما  يقول الكتاب المقدس، وبالتالي سمع المولى القدير صلاته وبكاؤه واعترافه بمعصيته فرجع إلى مكانه. لكن يهوذا بالرغم من أن السيد المسيح له المجد كلمه في هذا الموضوع وكان رقيق جداً معه، حتى أنه كان يدعوه ياصاحب، لم يتب ولا رجع للسيد المسيح طالباً عفوه وغفرانه بل مضى وشنق نفسه عندما تملكه اليأس. فالعبرة هنا بتوبة الإنسان ورجوعه إلى اللـه مهما كانت خطيته فالمولى عز وجل هو الغفور الرحيم غافر الأثم وصافح عن الزلات.

Home