" في البدء
كان الكلمة والكلمة
كان عند الله،
وكان الكلمة الله"
وسؤالي الاول هو
أي بدء الذي يتكلم
عنه هنا الكتاب
المقدس؟
قبل
ما أجيب على هذا
السؤال احب ان
الفت نظر الدارس
هذه الاية معنا أنها
من أهم الايات
في التعليم المسيحي،
والتي تعكس طبيعة
المولى القدير
تبارك أسمه. وهي
واحدة من أحجار
الزاوية في الايمان
المسيحي. البدء هنا الذي
يتكلم عنه الكتاب
المقدس في الكلمات
الاولى من العدد
الاول من الاصحاح
الاول من إنجيل
يوحنا هو ما يعرف
بالازل، أي البداية
التي ما قبلها
بداية. فهي قديمة
وراجعة لوجود المولى
القدير سبحانه
وتعالى. ومن المعروف
ان الله تبارك
أسمه لا بداية
له ولا نهاية سبحانه. فتكون كلمة
البدء هنا هي البداية
التي لا بداية
لها أي البداية
الازلية.
في
بداية سفر التكوين
وهو اول أسفار
الكتاب المقدس
يبدأ العدد الاول
بنفس الكلمات ويقول
" في البدء خلق
الله السماوات
والارض" فهل هناك
أختلاف بين البدئين؟
البداية
في سفر التكوين
تتكلم عن بدء زمني
محدد معروف وهو
يوم خلق المولى
سبحانه وتعالى
السماء والارض،
بغض النظر عن بعد
هذا الزمان عنا
اليوم سواء كان
من الاف السنيين
او ملايينها. لكن هذه الخليقة
بدأت في وقت وزمن
محدد، اما البدء
في إلانجيل بحسب
البشير يوحنا فهو
الازل او البداية
التي لا تاريخ
لها، انها كانت
قبل كل التاريخ
كما وضحت في أجابتي
السابقة.
الكلام
هنا المقصود به
شخص الرب يسوع
المسيح تبارك أسمه
الذي هو كلمة الله
وروح منه.
قبل
ان تكمل ماهو دليلك
على ان الكلمة
هنا هو شخص الرب
يسوع المسيح له
المجد وليس شخص
ثاني؟
لأن
الكلمات تقول في
البدء كان الكلمة
فلو انه يقصد الكلمة
المنطوقة لقال
الوحي في البدء
كانت الكلمة، لأن
الكلمة لفظة مؤنثة.
وفي نفس العدد
يقول وكان الكلمة
الله. يقول في العدد
الثاني من الاصحاح
الاول من الانجيل
بحسب البشير يوحنا
عن الكلمة ايضا
" هذا كان" ولم يقل
هذه كانت، هذا
كان في البدء عند
الله. ثم يقول
"كل شيء به كان
وبغيره لم يكن
شيء مما كان فيه
كانت الحياة" أي الوحي
هنا يكني عن الكلمة
بشخص حي حقيقي
موجود منذ الازل
عند الله.
اذا
لماذا أستخدم المولى
سبحانه وتعالى
هذا التعبير بالذات؟
لماذا لم يقل في
البدء كان المسيح،
مثلا والمسيح كان
عند الله، وهكذا
ليفسر ويحل غموض
هذه الكلمة؟
كما
قلنا في حلقة سابقة
ان الانجيل بحسب
البشير يوحنا نزل
ليخاطب العالم
أجمع والذي كان
متمثل في ذلك الزمان
في الكيانين العبري
واليهودي والفلسفة
اليونانية. فبالنسبة
للفكر اليهودي
كان يرى في الكلمة
اكثر من حروف منطوقة
او صوت صارخ من
حنجرة أنسان. لكنه
كان يراها قوة
محركة للكون ولها
وجودها الذاتي
المستقل، فهي تندفع
كطلقة الرصاص لتصيب
الهدف كما وصفها
احد أساتذة اللاهوت.
خذي
مثل على قوة الكلمة
في الفكر اليهودي
كما قال واحد من
شعرائهم " ان كنت
حريصا مرة تداول
النار، فأحرص عشر
مرات على تداول
الكلمات." فمثلا كانت
كلمات نبي الله
أسحق في بركته
لأبنه يعقوب كانت
فيها قوة أدت الى
بركته ولم تستطيع
أي قوة وقوف تأثيرها.
الله سبحانه وتعالى
نفسه خلق العالمين
بالكلمة، فلقد
قال تبارك أسمه
" ليكن نور، فكان
نور" فهو
الذي يقول للشيء
كن فيكون. ويقول
القدير عن نفسه
"لأنه كما ينزل
المطر هكذا تكون
كلمتي التي تخرج
من فمي ولا ترجع
الي فارغة، بل
تعمل ما سررت به
وتنجح فيما ارسلتها
اليه" وقال تبارك
أسمه كلمتي كنار
وكمطرقة تحطم الصخر،
وعندما ترجم العهد
القديم الى اللغة
الارامية لكي يفهمها
العبرانييون أستعاض
المترجمون بتعبير
الكلمة بدل من
لفظ الجلالة فيما
يعرف بالترجوم،
أي الترجمة الارامية.
وفيها ورد تعبير
كلمة الله حوالي
320 مرة كناية عن لفظ
الجلالة الله.
الكلمة
في الفكر اليوناني
ومعناها "الوجوس"
حسب ما عرفه الفيلسوف
اليوناني هيراكلتس،
هو الحاكم لكل
ما يدور في الطبيعة.
فقد لا حظ هذا الفيلسوف
ان كل ما في العالم
متغير غير ثابت،
متحرك وفي حالة
فيضان متغير على
حد تعبيره. فالارض
والنجوم والكواكب
تدور في مداراتها
وتعاقب الليل والنهار
وحركة المياه في
المحيطات والبحار
وغيرها من كل مايدور
في هذا الكون الفسيح.
وكان الفكر اليوناني
يرى ان ما يحكم
هذا التغير والفوران
هو الوجوس، او
كلمة الله سبحانه
وتعالى، او ما
اسموه بالعقل الالهي
المدبر، وحتى ما
يحدث داخل الانسان
في التفكير العقلي
والتمييز بين الخير
والشر وكل تصرفات
الانسان انما يسير
كل شيء حسب سلطان
الوجوس او الكلمة.
والفيلسوف فيلو اليهودي
المتعمق جدا في
الفكر اليوناني
جمع بين الفلسفتين
والفكرين رأى ان
الوجوس كان منذ
الازل وانه الواسطة
التي بها خلق الوجود،
وقال بأن الوجوس
هو فكر الله مطبوعا
على العالم كما
انه وسيلة الله
للخلق.
لأن
هذا هو التعبير
الذي كان يفهمه
كل من اليهود واليونانيون
وكل العالم وقتئذ.
ومن أحسانات المولى
القدير تبارك أسمه
علينا انه يستخدم
تعبيرات وتشبيهات
يفهمها البشر،
لأنه تبارك أسمه
يحب البشر وعلى
أستعداد ان يقترب
منهم اذا
ما لاحظوا انه
أقرب اليهم من
حبل الوريد. ويقول
دكتور وليم باركلي
في هذا الصدد ان
البشير يوحنا بإلهام
من المولى القدير
يقول لليونانيين
واليهود انكم لأجيال
طويلة كنتم تفكرون
عن الكلمة وتكتبون
عن الكلمة وتحلمون
عن الكلمة، القوة
الخالقة لهذا الكون
والقوة الحافظة
والمسيرة لهذا
الوجود والقوة
العاملة والمفكرة
في قلوب الناس
والقوة الروحية
الملهمة لكل ماهو
سام ورفيع في الحياة.
وهاهو الوجوس كلمة
الله فكر الله
قد تجسد الى العالم
في شخص السيد يسوع
المسيح له المجد.
انا
أعلم ان القرآن
الكريم يصف السيد
الرب يسوع المسيح
بنفس هذا التعبير،
فيقول عنه تبارك
أسمه أنه كلمة
الله. فهل يتوافق
الفكر الاسلامي
في هذه النقطة
مع الفكر اليهودي
واليوناني والمسيحي،
ام ان هناك أختلاف
بينهم؟
الفكر
الاسلامي يختلف
كل الاختلاف عما
سبق شرحه، فالكلمة
كما وردت في القرآن
الكريم تعني الكلمة
المنطوقة من المولى
سبحانه وتعالى،
كأن يقول للشيء
كن فيكون. فالاسلام
لا يؤمن ان كلمة
الله السيد المسيح
هو كائن منذ الازل
ولا دخل له في عملية
الخلق، ولا حفظ
نظام الكون، ولا
علاقة له بعقل
الله المدبر والمسيطر
على هذا الكون. فالمسلمون
يؤمنون بناء على
تعليم القرآن ان
مثل عيسى عند الله
كمثل آدم خلقه
من تراب ثم قال
كن فيكون.
دكتور
ناجي ماهو رأيك
الا ترى انه من
الاوقع والاقرب
للعقل البشري والمنطق
ان يقال ان المسيح
عيسى ابن مريم
نبي ورسول لله
كباقي الرسل والانبياء،
وان مثله كمثل
آدم خلق من تراب
ثم قال له "كن فكان"؟
قد
يكون هذا صحيح
ومقنع لأول وهلة
ودون التريث ودراسة
الحقائق الالهية
المعلنة للبشر
في الكتاب المقدس.
وقد يكون أقرب
للعقل البشري ان
يقتنع ان مثل المسيح كمثل آدم
خلق من تراب. لكن
العبرة ليست بما
يتناسب مع العقل
البشري او ما يمكن ان
يقتنع به، بل العبرة
بما يعلنه المولى
القدير جل شأنه
في كتابه العزيز
الكريم الذي لا
يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من
خلفه الكتاب المقدس،
عن طبيعة السيد
المسيح تبارك أسمه.
فأن كان مثل السيد
المسيح كمثل آدم
مخلوق من تراب،
فلماذا لم يشترك
أب وام طبيعيان
في آتيانه ووجوده
على الارض. لماذا يشهد
القرآن الكريم
ان المسيح قد وجد
بكلمة الله بل
واكثر من ذلك،
انه قال عنه له
المجد انه هو نفسه
كلمة الله. واود
ان اوضح ان هناك
كثير من الامور
التي أعلنها الله
سبحانه وتعالى
في كتابه العزيز
ولا يقبلها الفكر
البشري ومع ذلك
لابد ان يؤمن بها،
ولا بد ان يؤمن
انها حدثت حتى
لو لم تتناسب مع
تفكير الانسان
الطبيعي.
خذي
مثلا قصة سقوط
آدم وحواء ابوانا
الاولاان في الخطية
والمعصية. وهي
اول قصة أعلنها
سبحانه وتعالى
في الكتاب المقدس
في سفر التكوين. هذه القصة
لا يمكن قبولها
ببساطة دون المرور
على بعض الاسئلة
التي طالما حيرت
الكثيرين من الناس
على الارض. فأذا
كان المولى القدير
تبارك أسمه خلق
الانسان في جنة
لكي يعيش فيها
ويستمتع بها، وهو
يعلم ضعف الانسان
وككلي العلم كان
يعلم مسبقا ان
الوسواس الخناس
سيوسوس في صدريهما
ويقنعهما بالاكل
من الشجرة المحرمة
وسوف يطردا من
الجنة وسيقاسيان
العذاب وبعرق وجهه
سيأكل آدم خبزه.
فلماذا كانت كل
هذه القصة، لماذا
خلق الله الانسان
من الاصل، لماذا
خلق لهم الشجرة
المحرمة لماذا
لم يمنعهما عن
الاكل منها، لماذا
لم يخفيها عن أعينهما
وهو القدير على
كل شيء. لماذا
ترك الشيطان ان
يجربهما، ثم ماالفائدة
ان يخلق أنسانا
للنعيم فيتحول
الامر في النهاية
وتنقلب الامور
ضده وغيرها من
الاسئلة الكثيرة. الم تفكري
انت قبل الان في
ذلك؟
هل
وجدت لها حل او
أجابة مقنعة لعقلك
تتماشى مع المنطق
البشري؟
الحقيقة
كلا.
هل
منعك هذا من قبول
هذه الحقائق والايمان
بها وتصديق انها
حدثت وانه بما
ان هذا هو ترتيب
وتدبير الله سبحانه
وتعالى ورؤيته
للأمور. فأنا وانت
راضين به، عالمين
انه لحكمة المولى
كلي الحكمة والتي
لا يمكن ادراكها
بالكامل بعقولنا
البشرية او الاقتناع
الكلي بها بحكمته
جل شأنه قد تم كل
ذلك وان له لشاكرين.
ايضا
لا، فكل هذه الحقائق
مقبولة من الانسان.
هكذا
الحال مع كل ما
يعلنه الله وخصوصا
في هذه الحقيقة،
وهي ان السيد المسيح
تبارك أسمه هو
كلمة الله لا المنطوقة
فحسب كما يعرفها
القرآن الكريم،
بل هو عقل الله
المفكر الوسيط الحافظ لكل
نواميس الطبيعة.
أي ببساطة هو الله
نفسه ظاهرا في
جسد أنسان، معلنا
عن قوة الله جل
شأنه وسلطانه على
كل ما يدور في الكون
ومظهرا صفاته وكمالاته
تبارك أسمه للبشر،
معلنا للناس ان
لا اله الا الله
وانه هو كلمته
وسلطانه وقوته
وشخصه متمثلا لنا
بشرا سويا.
لو
أعتبرنا ان السيد
المسيح كما تفضلت
في الاجابة على
الاسئلة السابقة
أزلي أي كائن بذاته
كوجود المولى تبارك
أسمه، وانه هو
كلمة الله أي عقل
الله المدبر والحافظ
لكل الاشياء بكلمة
قدرته، نكون قد
قلنا ان السيد
المسيح واحد من
أثنين اما ان يكون
شخص منفصل عن الله
وفي هذه الحالة
نكون والعياذ بالله
قد أشركنا به وجعلنا
شخص اخر معه، واما
ان يكون المسيح
هو الله وان كان
المسيح هو الله
فكيف تكون الكلمات
الموجودة في الاية
الاولى من الاصحاح
الاول من الانجيل
بحسب البشير يوحنا
" كان الكلمة عند
الله" أي انها تتكلم
عن شخصين واحد
عند الثاني. فما هو تفسيرك
لهذا الامر؟
اولا
احب ان نتفق على
قاعدة أساسية في
اجابتنا على هذا
السؤال لا غنى
عنها ولا مفر منها،
وهي ان الله سبحانه
وتعالى واحد لا
شريك له ولا مثيل
له جل شأنه وان
أتخاذ احد غيره
كآله او مساواته
بأي شخص او شيء
اخر، هو شرك وكفر
بالله يعاقب عليه
المولى سبحانه
وتعالى يوم الدين
بعذاب اليم، ولا
تنفع معه وساطة
او شفاعة. وهذا
ما يؤكده الكتاب
المقدس في مواضع
عدة ان الرب الهنا
اله واحد. وقال
ايضا " للرب الهك
تسجد واياه وحده
تعبد" وغيرها من
الايات الكثيرة.
فلا مجال للأدعاء
بأن حتى شخص السيد
المسيح تبارك أسمه
هو اله اخر بجانب
المولى القدير
تبارك أسمه، فهذا ايضا
شرك به جل شأنه. لكن لحل هذا
الموقف نقول ان
الاية الاولى من
الاصحاح الاول
التي نحن بصددها
من الانجيل بحسب
البشير يوحنا تقول
" في البدء كان
الكلمة، والكلمة
كان عند الله،
وكان الكلمة الله." وهذه الثلاثة
مقاطع تبدو متعارضة
لكنها ليست كذلك.
فاذا كانت كلمة
البدء تعني انه
الازل أي قبل بدء
كل تاريخ.
واذا كان الكلمة
هو شخص السيد المسيح
كما شرحنا يكون
شخص السيد المسيح
كما قال عن نفسه
" قبل ان يكون أبراهيم
( خليل الله) انا
كائن." وفي
هذه الحالة يكون
السيد المسيح هو
الكائن بذاته فيكون
هو الله العلي
سبحانه وتعالى.
المقطع الثالث
من هذا لعدد يقول
" وكان الكلمة الله"
أي شخص الرب يسوع
تبارك أسمه هو
الله بحصر اللفظ
في هذه الاية. اما
المقطع " والكلمة
كان عند الله" فهذا
لا يعني ان شخص
السيد المسيح منفصل
عن الله.
فعقلي وكياني
وكلمتي قبل ان
أشاركها مع الاخرين
وسلطاني وقوة تأثيري
على الكون المحيط
بي، هو نفس ذاتي
وكياني وليس شخص
اخر منفصل عني،
بل انا نفسي لكن
كل ما هنالك ان
العقل المدبر لله
والكيان والتعبير
الواضح عنه جل
شأنه، أتخذ جسدا
انسانيا وجاء الى
ارضنا في صورة
الرب يسوع المسيح
له كل المجد.