الكنيسة قاهرة ام مقهورة؟

ما أبعد الفرق بين الكنيسة التي في فكر ربها ومسيحها ورأسها شخص المخلص يسوع المسيح وبين واقعها وشكلها في القرن الواحد والعشرين وخاصة في بلادنا العربية.

فالكنيسة التي نعرفها اليوم هي كنيسة مقهورة خائفة، متقوقعة، متنافرة بينما الكنيسة في فكر سيدها المسيح هي قاهرة، متحركة، متحدة، مخيفة لكل من حولها. وهذه الصورة التي فكر سيد كل الارض عن الكنيسة، لاتتوقف على عدد المؤمنين به تبارك اسمه، فقوة الكنيسة ليست في تعداد من يدعون مسيحيين، ففي شرع سيدي المسيح ان الواحد يساوي الف والاثنين بربوة اي عشرة الأف، فلو كانت قوة الكنيسة في تعداد افرادها لحارب قادتها في ضم كل الخلث اليها بكل الطرق المشروعة منها والمحرمة. بل تتوقف هذه الصورة على نوعية هؤلاء المؤمنين به تبارك اسمه رباً وسيداً وملكاً على حياتهم حتى لو كانوا نفراً قليلاً.

وصورة الكنيسة في فكر سيدها المسيح لاتتوقف على أمكانياتها المادية والا لعاش اتباعها في جمع الغنائم والاسلاب وكوموا المال بكل الوسائل والاسباب فعندما ارسل المسيح تبارك اسمه تلاميذه الى العالم ليكرزوا بالانجيل للخليقة كلها امرهم ان لايأخذوا كيساً ولامزوداً ولاعصى وعندما ماتوا جميعاً لم يكن لاحدهم مال او غنى يورثونه لأولادهم ولااحفادهم من بعدهم. فلقد اختاروا ان يخدموا الولى تبارك اسمه لاطمعاً في غنيمة ولا تطلعاً لمكسب او جاه مما في زينة الحياة الدنيا. فمقدامهم بطرس التلميذ يوم استخدمه المولى في شفاء مقعد باب الجميل صرح قائلاً " ليس لي فضة او ذهب"، واشهرهم بولس الطرسوس قال عنا نحن المؤمنين كفقراء لاشيء لنا ونحن نغني كثيرين. لكن حقيقة الكنيسة القاهرة التي في فكر المولى تبارك اسمه هي تلك التي مع انها لاتملك اي شيء لكنها تملك سيد كل الارض المتسلط في مملكة الناس، خالق كل الاشياء بكلمة قدرته وهو رسول الرحمة والعدل للبشرية جمعاء. الذي اذا امتلكه الفرد امتلك كل مافي السماء والارض واذا رفضه احد رفض الحياة الدنيا والاخرة.

والكنيسة التي فكر سيدها المسيح كنيسة قاهرة لا مقهورة وشتان الفرق بين الكنيسة القاهرة والكنيسة المقهورة. اما مظاهر الكنيسة المقهورة فواضحة وتتمثل فيما يلي:-

اولاً:- الكنيسة المقهورة تقبل التعريفات العالمية للأمور الروحية، فالعالم يعرف كلمة كرازة بالانجيل او مشاركة الاخيار السارة عن شخص السيد الرب يسوع المسيح بكلمة تبشير وكلمة تبشير مرتبطة بكلمة مبشرين والمبشرون هم اولئك الاجانب الزناديق من قادوا الحملات الصليبية على العالم العربي وانتهى التعريف بان المبشرين هم اخوان الشياطين الذين لابد من منعهم من اداء رسالتهم التي كلفهم بها السيد المسيح تبارك اسمه بان يذهبوا الى العالم اجمع ويكرزوا بالانجيل للخليقة كلها فالتبشير والمبشرين  والمستشركين ومن شابههم لهم العذاب الاليم وينتظرهم الدرك الاسفل في جهنم خالدين فيه الى ابد الابدين.

وهؤلاء الذين يقبلون المسيح يسوع رباً ومخاصاً لهم من اي خلفية غير مسيحية يعرفهم العالم بالمتنصرين، والمتنصرون (من اي دين او خلفية) في تعريف العالم هم مرتدون ومتمردون على خلفياتهم ودياناتهم ولهم من ربهم عذاب اليم ان لم يتوبوا ويرفضوا الحياة التي في شخص رسول الله للعالمين السيد المسيح والا فليحق عليهم العذاب في الدنيا والاخرة، كما يحق على اللذين اقتادوهم ليعرفوا النور والحق الذي في كوكب الصبح المنير شخص المسيح العذاب والقهر والنفي وغيرها.

والنبذات والمطبوعات الروحية الهادفة الى تعريف خلق الله بالطريق والحق والحياة والتي كانت توزع في كل كنيسة وبيت وشارع اصبح اسمها منشورات يعاقب على تداولها القانون. والكنيسة المقهورة قبلت ان طوعاً او قهراً تلك التعريفات العالمية للأمور الروحية وبعض الكنائس يدافع عنها وكأنها جزء من مسيحيتنا في القرن الواحد والعشرين. واليك هذا المثل العجيب كنت في زيارة لأحدى الدول العربية وتقابلت مع راعي اكبر كنيسة بهذا البلد  وهو مصري الجنسية سافر لرعاية تلك الكنيسة وكنا نتكلم عن مجموعة من المؤمنين اعتقلتهم السلطات الامنية في ذلك البلد وفوجئت بالراعي يقول عن هؤلاء المؤمنين الذين كانوا قد خرجوا من السجن انهم لم يدخلوه لأجل المسيح بل بسبب غبائهم، واعتقدت انهم لابد وقد ارتكبوا خطأ جسيماً مما ادى بهم الى المعتقل، قلت وماذا عملوا، اجاب الراعي بانفعال، هم أغبياء ويستحقون السجن لأنهم يكرزون بالانجيل. فسألته في عجب، هل هذا كل مافعلوا، قال نعم، هم في بلاد لاتؤمن بالكرازة والتبشير، قلت وماالخطأ في هذا قال القس منفعلاً هم اغبياء ويستحقون العقاب لانهم كانوا يكرزون خارج اسوار الكنيسة. سألته متهكماً، وماذا تفعل انت هنا في هذه البلد ياحضرة القسيس؟ لماذا تغربت وتركت مصر؟ هل جئت لتكرز لأعضاء كنيستك  فقط تلك لتي تتناقض كل يوم عما زي قبله ولم يستطع ان يجيبني، ومضيت اضرب الكف على الكف وانا اردد ان الكنيسة المقهورة تقبل التعريفات العالمية للأمور الروحية.

وليس في ذلك فقط فقد قال لي الروح القدس ان الكنيسة المقهورة تقبل انصاف الحلول، وانصاف الحريات، وانصاف النجاحات. الامر الذي لاتقبله الكنيسة القاهرة  والتي نجد اوضح مثالاً في سفر أعمال الرسل، رسل السيد المسيح، فلقد قبض على تلاميذ السيد المسيح بعد ان استخدمهم  المولى في عمل العديد من المعجزات،  وطلب منهم معذبوهم  بعد ان ضربوا وهم في الحجز طلباً محدداً من قبل رؤساء الكهنة، والطلب هو " لاتنادوا في المسيح بالقيامة". لاتقولوا انه قام من بين الاموات. لم يقولوا لهم لاتنادوا بصلب المسيح، فمسألة صلب المسيح كانت واضحة للخلق اجمعين لايمكن ان ينكرها كل ذي عينين، لكن القيامة هي التي كانت ترعب اليهود فطلبوا منه التلاميذ ان يتكلموا بما يريدون عن يسوع تيارك اسمه يسوع الذي يشفي المرضى، والذي اقام الموتى، يسوع الذي مات، فقط لكنه لم يقم. ورفضت الكنيسة القاهرة حتى هذه الجزئية البسيطة وانصاف الحلول وقالت لا " هذا يسوع اقامه الله ناقضاً اوجاع الموت اذ لم يكن ممكناً ان يمسك من الموت" فجلدوهم اما هم فمضوا فرحين قاهرين ليسوا مقهورين لانهم حسبوا مستأهلين ان يهانوا لأجل المسيح.

ثالثاً:- شعار المنيسة المقهورة هو ينبغي ان يطاع الناس اكثر من الله اما الكنيسة القاهرة فشعارها ينبغي ان يطاع الله اكثر من الناس فللرب الارض وملؤها المسكونة والساكنون فيها. هو يولي الملوك والرؤساء ويعزل ملوك ورؤساء وكل ماشاء صنع. فخضوع المسيحيين الحقيقيين وولائهم هو لوصايا المولى تبارك اسمه اولاً واخيراً. فينبغي ان يطاع الله اكثر من الناس مهما كان هؤلاء الناس. وغنى عن الذكر انه من وصايا المولى تبارك اسمه هو اننا ينبغي ان نخضع للرياسات والسلاطين والحكومات والقوانين واننا ينبغي ان نصلي لأجل الرؤساء والذين هم في منصب، ليس للبسطاء منهم فقط بل وللعنفاء ايضاً شريطة ان لايتعارض هذا مع شرع الله في تنزيل الحكيم العليم الكتاب المقدس.

رابعاً: الكنيسة المقهورة تفسر وصايا المولى تبارك اسمه واوامره على هواها وليس كما قصدها هو سبحانه وتعالى، فالاية التي تقول " رابح النفوس حكيم" واحدة من اكثر الايات التي تفسرها الكنيسة المقهورة على هواها. وقول بولس الرسول " صرت لليهودي يهودي ولليوناني يوناني والذين بلا ناموس.. لاربح الجميع". مثال اخر على هذه الحقيقة ، كما ان حديث بولس عن الاله المجهول عندما كان يتحدث الى اليونانيين مثال اخر.

وكلها تفسر في شرع الكنيسة المقهورة بأن لاتحرك المياه الراكدة، دع الملك للمالك، لاتكرز حيث لايسمح لله، ولاتنادي بالانجيل الا لمن يقبله واذا دخلت مدينة لاتشارك ايمانك لئلا تثير غضب  اهلها وان لم يقبلوا كلماتك فلا تغضبهم، وغيرها من الاساليب اللا كتابية. والغريب ان بولس الرسول الذي علم هذه التعاليم مساق بالروح القدس هو الذي كان يذهب من مجمع الى مجمع ومن بلد الى بلد متحدياً اليهود واليونانيين منادياً بحق المسيح يسوع تبارك اسمه في كل الارض. لكن الكنيسة المقهورة لاتريد ان تقبل هذا الجانب من الحقيقة فهي فقط تفسر المكتوب على هواها.

خامساً: الكنيسة المقهورة لاتؤمن بوعود المولى تبارك اسمه في كتابه الكريم، فهناك 366 وعد في الكتاب المقدس يقول " لاتخف" وعد لكل يوم حتى لذلك اليوم الذي لايأتي الا كل اربعة سنوان وهي ماتعرف بالسنة الكبيسة. فمشكلة الكنيسة المقهورة انها لاتمارس ايمانها بسد كل الارض المتسلط في مملكة الناس.  لقد قال السيد المسيح تبارك اسمه لاتخافوا من الذين يقتلون الجسد (اي البشر) ولكن النفس لايقدرون ان يقتلوها بل خافوا من الذي يقدر ان يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم ( وهو ابليس). اي لاتخافوا من بني البشر، فالذي يهلك نفسه لأجل السيد المسيح يجدها والذي يحفظها يهلكها.

اما الكنيسة القاهرة والمرهبة هي تلك التي قال عنها سفر العبرانيين " بالايمان قهروا ممالك، صنعوا براً، نالوا مواعيد، سدو افواه اسود، اطفأوا قوة النار، نجوا من حد السيف، تقووا من ضعف، صاروا اشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء،... واخرون عذبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة افضل.

وفي النهاية اقول كيف تتحول الكنيسة المقهورة الى كنيسة قاهرة.

اولاً: لابد للكنيسة ان ترجع الى كتابها الموحى به من الله، وان تعرف كيف تمارس ايمانها بالسيد المسيح الذي قال لجسده الكنيسة " لاتخف ايها القطيع الصغير" والذ وعدها انه معها كل الايام والى انقضاء الدهر بل والاكثر من ذلك لابد ان تؤمن الكنيسة انها جسد المسيح كما اعلن لنا المولى تبارك اسمه، ومن يستطيع ان يؤذي جسد المسيح؟ لقد آذاه اليهود مرة واحدة على الصليب، واليوم لاتستطيع قوة في السماء او على الارض او تحت الارض ان تؤذيه مرة ثانية بل ستجثوا له كل ركبة ممن في السماء ومن على الارض ومن تحت الارض وسيعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو رب.

على الكنيسة ان تفهم انها اذا خافت ممن في الارض فسيزيدها المولى تبارك اسمه خوفاً ورعباً وسيريعها فتحيا في عذاب لان الخوف له عذاب. اما اذا لم تخف ممن  في الارض فسيجعلها الرب كالنورج المحدد ذا الاسنان فلا يقف انسان امامها مادام وليها حي.  فلقد قال الرب لأرميا نبيه في القديم" لاتخف من وجوههم لأني انا معك لانقذك يقول الرب... قم وكلمهم بما امرك به. لاترتع من وجوههم لئلا اريعك امامهم".

على الكنيسة ان تمتليء بشخص المسيح المحبة، فتحب كل من في العالم بمحبة سبحانه وتعالى، فهو الذي بذل نفسه لأجل العالم لي لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية وعندئذ فقط تصبح كنيسة قاهرة لامقهورة.
اللهم انا نرجوا وجهك وعفوك ورحمتك، الهم لاتدعنا نخاف الا منك، ولانرهب الا اياك، الهم اجعلنا كنيسة قاهرة لا مقهورة. الهم انر عيوننا بكلمتك، ووحد قلوبنا بمحبتك دعاءنا فانت الواحد القهار يارب العالمين. آمين

 

HOME | ABOUT US | SONGS | THE HOLY BIBLE | F.A.Q. | IMAGE GALLERY | HOW CAN I HELP | ENGLISH