|
روح غـــي ما أعجب وأعظم كتاب الكتب، ذاك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، التوراة والإنجيل تلك التي فيها هدى للناس ورحمة، فكم من باحث عن الحق، طالب للمعرفة والمشيئة الإلهية، متحير فيما يرى ويسمع في هذه الأيام وجد ضالته المنشودة في كلمة واحدة، أو آية منزلة دونت منذ آلاف السنين في الكتاب العزيز الكريم فشفت غليله، وأنارت سبيله، وفرجت حيرته وأبدلت غربته من بعد أن أعياه البحث وأضناه الحرث والتنقيب في حقل هذه الأيام التي يُكفر فيها الباحثون، ويتهم المفكرون بالجنون، ويطلق فيها سراح المجرمين والمرتشين. أيام تُجبر فيها على الاعتراف وتصديق عكس ما تراه، وتُظهر فيها عكس ما تبطن. أيام لا تعرف فيها أين تذهب ومتى ترجع إلى بيتك إن رجعت، فالسياسية تموج بالمتناقضات والأمن هو ما يخشاه الناس، والاقتصاد في تدهور مستمر والأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً، والكنيسة والأزهر يتعانقان في حفلات ومناسبات وكأننا في المدينة الفاضلة، رؤوساء مجلس كنائس الشرق الأوسط الأربعة من مصر وكأن لا خلاف بينهم، التعصب الديني دخل إلى مؤسسات الدول جميعها، واختلط الحابل بالنابل ولا منجي غير الواحد القهار الذي لا تأخذه سنة ولا ينام. ذهبت إلى كتاب الكتب لأجد تعريفاً لما يحدث في مصر والبلاد العربية، سألته هل من جواب؟ من هو المسئول عن حالة الفوضى واللا يقينية التي نعيش فيها هذه الأيام، هل هي الحكومات، أم الشعوب، الكنيسة أم أعداؤها، الجماعات أم الروابط والاتحادات؟ جاءني الجواب في كلمتين "روح غي". يقول تنزيل الحكيم العليم عن الحالة الراهنة في مصر: "مزج الرب في وسطها روح غي فأضلوا مصر في كل عملها يترنح السكران في قيئه". بحثت عن معنى كلمة "غي" لأعرف هل تنطبق أوصافها على ما يحدث الآن في شرقنا الأوسطي حيث أن الكتاب الكريم يقول: "ومزج الرب"، ومزج تعنى أن روح الغي أصبح جزءاً من نسيج المجتمع في كل ما يعمله ويعيشه ولا يمكن الانفصال عنه. وروح الغي في وسطها أي أنه هو المتسلط والمسيطر عليها والظاهر والمتحكم في كل أعمالها، فلا عجب أن تترنح كالسكران غير مميزة ما يحدث في وسطها ولا راجعة عن شرها وعنادها لإلهنا فهو يكثر الغفران. ومن الطريف أن تعريف كلمة "غي" لا يوجد في دائرة المعارف الكتابية المسيحية، فروح "الغي" لا يريد أن يعرفه الناس أو يؤمنوا بوجوده، وبالبحث عن معنى الكلمة في اللغة العبرية التي كتبت بها الآية الكريمة سابقة الذكر، وجدت أن جذر هذه الكلمة مشتق من الأصل لكلمة "إعوجاج، ارتكب المعصية، إنحناء" وفي الإنجليزية تعني الروح المعاكس (أي روح يصنع عكس ما ينبغي أن يعمل، أو يصنع العمل وعكسه في نفس الوقت)، روح اللامنطق ذلك الروح الذي يدفع الإنسان لارتكاب ما هو غير منطقي وما لا يصدقه العقل البشري. هو أيضاً روح الضلال أي الروح الذي يجعل الناس تؤمن بالضلال والخرافات ولا تصدق الحق. هو أيضاً يأتي بمعنى روح الارتداد، روح العناد وصلابة الرأس، وهو كما يعرفه القاموس الإنجليزي الأمريكي: روح شرير. وعند وضع كل هذه المعاني المختلفة المذكورة عاليه لروح الغي ألا تتضح لنا وترسم لنا صورة دقيقة لما يحدث حولنا في هذه الأيام، تلك التي يراها كل من له بصيص من النور ليرى هل هناك أوضح من تلك الصورة الكبيرة التي رسمها لنا تنزيل الحكيم العليم في كلمتين اثنتين "روح الغي". وحيث أنني أعرف أن روح الغي يطمس العيون والأذهان ويعمي البصائر والوجدان، لذا فلقد رأيت من الأهمية بمكان أن أدلك على ما ساقه المولى في كلماته فهي الحق والميزان. عبارة "روح الغي" تعنى "روح الإعوجاج والإنحناء". والاعوجاج والانحناء صارا لغة العصر في هذه الأيام، فالاستقامة والأمانة في الكلام والعمل وحتى الوعظ والإرشاد أصبح نادراً، وإذ قال لك صديقك شيئاً لابد أن تفكر فيه عشر مرات قبل أن تقبله كما هو وتؤمن به وتصدقه، فكم وكم إذا كان ما تسمعه خارجاً من فم موظف حكومي أو مرؤسيك في العمل. وتحضرني قصة طريفة حدثت معي عندما ذهبت لاستخراج جواز سفري من مكتب الجوازات. قالت لي الموظفة تحتاج إلى نموذج 144 لنضع لك ختم التجنيد على جواز السفر، سألتها: وكيف أحصل على هذا النموذج؟ قالت (هذا النموذج موجود فقط في مجمع التحرير) قلت لماذا مجمع التحرير بالذات، إذا كنت أحتاجه من مكتبكم فلماذا لا يباع هذا النموذج هنا، قالت (إسألهم يا أستاذ هناك، وقل لهم يرسلوا هذا النموذج هنا، هات شوية معاك). وحيث أنني لم أكن أفهم تصرفات روح الغي، الإعوجاج، صدقت هذه الموظفة وذهبت إلى مجمع التحرير، تاركاً السيارة التي كنت أستقلها في وسط الميدان مع (سايس) وأخيراً وقفت أمام موظف الجوازات في مجمع التحرير. قلت من فضلك أحتاج نموذج 144 لاستخراج جواز سفر. رد الموظف في بادئ الأمر بأدب، مفيش نموذج رقمه 144، من طلبه منك؟ قلت موظفة الجوازات بالحي السكني التابع له. فسأل زملائه بصوت مرتفع (يا اخوانا في نموذج اسمه 144؟) قال الجميع في نفس واحد: لا. فنظر إلىّ الموظف وقال آسف يا أستاذ لا يوجد نموذج 144. فقلت وكيف تطلب مني هذه الموظفة أن أحضر لها نموذج غير موجود، قال الموظف بصبر واحترام، أعطني جواز سفرك القديم وسأستخرج لك واحداً جديداً الآن وأنت واقف، شكرته وأعطيته جواز السفر، نظر إليه وقال لابد من تجديد جواز سفرك في الحي الذي تسكن فيه، لو كنت تبعنا لاستخرجته لك حالاً، ارجع قل للموظفة لا يوجد نموذج 144 في المجمع، رجعت إلى المكتب مرة أخرى قلت لموظفة أخرى من فضلك أريد استخراج جواز سفر لي، وذهبت إلى المجمع وسألت عن نموذج 144 وقالو لا يوجد، قالت الموظفة الجديدة: (من قال لك أن هناك نموذج 144؟) قلت هذه السيدة التي تجلس هناك على المكتب، قالت ماتخدش عليها أعطني جواز سفرك القديم والاستمارات وارجع الساعة 3 خذ الجواز الجديد، وقد كان. وعندما جلست أفكر في نموذج 144 اكتشفت أن هذا "روح الغي" الذي مزج في وسط أرض مصر، ففي القديم كانت الرشوة تقبل في المكاتب والمصالح الحكومية بين طيات الأوراق، أو في الدرج الذي يفتح ويغلق في لحظات حتى لا يلاحظ أحد أن صاحب الطلب المسكين قد ألقى بماله في درج الموظف، أما اليوم فقد أعلن روح الاعوجاج عن نفسه وأصبحت الرشوة وكأنها جزء من الرسوم المقررة، وإن لم تأخذ في صورة رشوة تأخذ في صورة تبرع لبناء بيت من بيوت الله وليس من المهم أن تكون مسيحياً أو مسلماً، فمن بنى لله بيتاً على الأرض بنى الله له قصراً في الجنة. ولابد أن يُبنى لك قصر في الجنة حتى ولو لم تكن تريد دخولها. فهذا تبرع إجباري، فكيف يكون التبرع إجبارياً؟ فالكلمتين لا تستقيمان معاً. فمن شروط التبرع أن يكون بمحض إرادة الإنسان وفي المكان أو المجال الذي يرى أن يتبرع فيه، لكن هذا ما يعمله روح الغي، فمن أعماله أنه يعمل العمل وعكسه تماماً في نفس الوقت كما سبقت الإشارة، فهو الروح المعاكس. وإن لم تصدقني فاذهب للحصول على تذكرة في القطار التوربيني أو السوبر جيت، أو اذهب لاستخراج جواز سفر أو عمل توكيل وسوف تتبرع إجبارياً. لقد قرأت هذه العبارة في لوحة علقت على جدار مكتب شبرا للشهر العقاري منذ أسبوعين فقط، التبرع بطوابع معونة الشتاء ليس إجبارياً، وسألت نفسي لماذا كتبت هذه الكلمات، هل كان الجمهور يجبر على التبرع بمعونة الشتاء، وأين تذهب هذه الملايين التي تجمع لبناء بيت من بيوت الله أو لمعونة الشتاء؟ لو ذهبت في مكانها لما أصبح هناك عريان واحد في مصر أو صغير يعاني من برد الشتاء. إن روح الغي أو الروح المعاكس يتكلم عن حرية الصحافة والكتابة وإبداء الرأى، وفي الوقت نفسه يعين رؤساء التحرير والمسؤلين عن إصدارها. يصدر القوانين التي تنص على حرية الصحافة وتضع القوانين المقيدة لحرية الصحافة في نفس الوقت، فمن حق الأحزاب والشركات إصدار الصحف والمجلات ومن حق أجهزة الأمن أن تمنع نفس الأحزاب والشركات من إصدار الصحف والمجلات. الجماعات المسيحية والجماعة الإسلامية محظورة بالقانون ومباحة بتصريح من أولى الأمر في نفس الوقت. حرية العبادة وبناء الكنائس وتصليح ما انهدم منها مباحة بالدستور وحرية ممارسة الشعائر الدينية في السر والعلانية مكفولة بالدستور، ومحرمة برأي الأغلبية وأولئك المسئولين عن تنفيذ القانون. حرية العقيدة مؤكدة في الدستور والاتفاقات والمعاهدات الدولية والمحلية، وممنوعة بالقانون الذي يحرم على المتنصرين تغيير ديانتهم أو أسمائهم في هوياتهم، ويحرم على البهائيين كتابة ديانتهم في هوياتهم. ترى ما هذه الفوضى التي نعيشها في هذه الأيام، أليست هي عصارة عمل "روح الغي" الذي مزجه المولى في وسطها. "روح الغي" أيضاً يعني روح اللامنطق، هل من المنطق في بداية الألفية الثالثة وفي بلد متحضر كمصر أن تخلق عصابات لخطف الفتيات وامتهان الأطفال وقتلهم في القطارات وإلقائهم من فوقها. رحم الله أيام زمان عندما كان المنطق مازال يعمل ولو قليلاً في وسطها وكان مخبرو البوليس يقفون في محطات القطار لعقاب المسطحين، وكان من يعتلي القطار يحرص على النزول منه قبل محطة الوصول، أما الآن فالطفل يعتدى عليه داخل القطار، ويحمل فوق القطار ويلقى فيموت مرتين، والبقاء لله. هل من المنطق أن تفوز الجماعة الإسلامية المحظورة بثلث مقاعد مجلس الشعب وبالمحليات ومجالس إدارات الشركات والنقابات؟ هل من المنطق أن لا يحصل مسيحي واحد على درجة جيد جداً في كلية طب الأسنان التي تخرجت منها لأكثر من 30 عاماً أو أن يعين مسيحي في هيئة التدريس لسنين هذا عددها. أليس من اللامنطق أن يتمتع المسلمون المصريون بجامعة الأزهر، وإذاعة القرآن الكريم، والبرامج الدينية التليفزيونية والإذاعية، والمجلات الإسلامية بداية من المسلم الصغير وصاعداً، وأن يحرم على المسيحيين كل هذا. أليس من عمل روح اللامنطق أن تلغى حقبة كاملة من تاريخ مصر القبطي وكأن المسلمين قد تسلموا الحكم من الفراعنة مباشرة. وكأن المنطق هو ما عرفه بهجت الأباصيري لمعلمته عفت عبد الكريم في مسرحية مدرسة المشاغبين (أن المنطق هو أن الواحد يقع ميحطش منطق). إن أسوأ تعريف لروح الغي هو روح الضلال، فيعلمنا تنزيل الحكيم العليم أن الذين عرفوا الله ولم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم لابد له سبحانه أن يسلمهم إلى ذهن مرفوض "روح الغي" ليفعلوا ما لا يليق. إن أردأ ما يفعله روح الضلال هو أن يغير معاني الكلمات والألفاظ في أذهان الجماعات والطوائف والملل والنحل. إن مشكلة البشرية في هذه الأيام تكمن في سوء تواصلها وفهمها الواحد لمعاني الكلمات، ونظراً لمزج روح الغي في وسطها، فإن ألفاظاً كالحكومة، الإرهاب، الخلاص، الرشوة، الديمقراطية، الحرية وحقوق الإنسان... إلخ. لا يوجد لها تعريف واحد متفق عليه ولن يكون. لقد بدأت هذه المشكلة عندما عرف الناس – أحفاد سام وحام ويافث أبناء نبي الله نوح – أن هناك إلهاً متسلطاً في مملكة الناس وهو الذي أغرق الأرض وما عليها ومن عليه وهو الجبار السميع العليم، وقرروا أن ينفصلوا عنه وينجوا أنفسهم من يده التي ظنوها أقصر من أن تصل إليهم إذا هم بنوا برجاً عالياً يقيهم عقابه تعالى إذا قرر أن يهلك الأرض مرة أخرى بطوفان ثان، مع أنه هو الصادق الذي وعدهم أنه لن يعود يهلك الأرض بطوفان آخر، مما جعل القدير ينظر إليهم وإلى برجهم العالي الكبير ويرسل لهم روح الغي ليبلل ألسنتهم لا بلغات متفرقة فحسب بل باختلاف في فهم معانى الألفاظ جَزاءً محقاً لهم لما عملوه من انفصالهم عنه سبحانه. ودليل على ذلك، يرى البعض أن الحكومة هي الرئيس أو زعيم البلاد، ويرى البعض أن الحكومة هي البوليس ورجال الأمن، ويرى الآخرون الحكومة هي الوزراء والجماعة الحاكمة للبلاد، ويرى آخرون أن مجلس الشعب والشورى هم الحكومة، ويرى البعض أن الشويش عطية هو خير من يمثل الحكومة لدى العامة والجهلة وحتى بعض المتعلمين إلى هذا اليوم. والإرهاب يراه البعض دفاعاً عن الدين وإرضاء للمولى سبحانه وتعالى فهو عندهم من صميم الدين، ويراه الآخرون وحشية وهمجية وأن الإرهابيين هم إخوان الشياطين، وتختلف التعريفات للمعاني والألفاظ باختلاف الحاكم، والظروف، والتمويل، والأغراض، واعوجاج المفتين والمفسرين والشارحين. والرشوة تُدعى تفتيح مخ، وتخليصاً للأمور، ومساعدة للموظفين المساكين الذين لا يجدون قوت يومهم ولا إطعام أولادهم. وما أدراك ما هو تعريف الديمقراطية والحرية والإمبريالية والرأسمالية والشيوعية والإسلام والمسيحية واليهودية. فليس من اتفاق في التعريف أو الفهم أو القبول للمعاني والألفاظ، فكل يتبنى ما يوحيه عليه الضمير أو الظروف أو روح الغي. وفي النهاية أقول لا فرار ولا انتصار على روح الغي إلا بروح الحق سبحانه وتعالى، فسيظل العالم يتخبط في روح الضلال والغي، روح اللامنطق، الروح المعاكس، ما لم يفطن إلى روح الله، وأن روح الله هو روح الحق وحده، وأن روح المسيح كما قال عن نفسه تبارك اسمه "روح الحق". أما العالم فسيظل تحت سيطرة روح العناد وصلابة الرأس وهو معنى آخر لروح الغي كما ذكرت من قبل، وسيظل روح الغي ممتزجاً في وسطها إلى أن تدرك أن روح الحق مستعد أن يعلم ويرشد ويقوم ويملأ كل من يبحث عنه سبحانه، بغض النظر عن لونه ودينه وعقيدته. فسيعرف المصريون الرب وسيُعرف الرب في أرض مصر ويعلن الحق ويزهق الباطل. فما أدق وأصدق تلك الصورة التي رسمها لنا المولى في سفر أشعياء 19 : 14 في قوله "مزج الرب في وسطها روح غي..." إنها تنطبق تمام الانطباق على حالنا اليوم. اللهم أنقذنا وخلصنا من روح الغي والضلال، واحمنا من أنفسنا ومن عنادنا وصلابة رؤوسنا، اللهم نجنا من الروح المعاكسة والجماعات |