نشر الغسيل الوسخ

 

حذرونا في الامثال والاقوال المأثورة من نشر الغسيل الوسخ، وهذا منطقياً ومفهوماً فالغسيل الوسخ لاينبغي ان ينشر ببساطة لانه  وسخ وسوف يظهر  اصحابه في صورة غير نظيفة ويجعل سيرتهم على كل لسان ويجعلهم محط النقد والاتهامات والمزايدات، وصدقناهم وأخفينا غسيلنا الوسخ ولم نعرف كيف نتخلص منه فهو غسيلنا، وهو وسخ، واخفاءه لن ينظفه بل وكثيراً ماسبقت رائحته شكله وانفضح الامر وانكشف المستور قالوا لنا لاتنشروا الغسيل الوسخ ولم يقولوا لنا ماذا نعمل فيه وبه نعم فمن الأمثال ماقتل.  فما هي قضية الغسيل الوسخ؟

 

الغسيل الوسخ هو ما نحاول اخفاءه من خطايا واخطاء وخلافات ومشاكل ومشاجرات واختلافات في وجهات النظر، ننساها او نتناساها وكأن شيء لم يكن.

ويكره البعض الصحافة والصحافيين لانهم يظنون ان عملهم هو فقط نشر الغسيل الوسخ للافراد والهيئات والحكومات، ويحب الاخرون الصحافة والصحافيين لنفس السبب لانهم ينشرون الغسيل الوسخ.  والعامة يميلون الى الاثارة، فما يثيرهم من فضائح الناس وفضح خطاياهم هو الرائج والرابح في دنيا الصحافة، فاذا انتقد احدهم الحكومات وهاجم مشروع مترو الأنفاق يومئذ واظلم الدنيا في عيوننا واتهم الكل بأنهم مرتشون وخونة صفقت له الاغلبية وازدادت مبيعات جريدته واذا داءبت مجلة على اتهام الخدام والكنائس والجماعات المسيحية تهافت الناس على شراءها وانتظروها بفارغ الصبر، اما اذا تكلم أحدهم عن الانجازات والمشروعات التي خدمت بلادنا العربية اتهموه اصحاب نظرية نشر الغسيل الوسخ بأنه من كلاب السلطة وانه يسعى وراء المناصب. فماذا عن الصحافة المسيحية، ان وجدت، في بلادنا العربية.  ماهو موقفنا كصحافيين مسيحيين في هذا المجتمع من قضاياه وخباياه؟ وماذا كان يعمل سيدنا المسيح تبارك اسمه في غسيل الناس الوسخ، هل كان ينشره، ام يهمله ام يغسله، واذا اضطر الى نشره بسبب قساوة أصحابه وعدم طاعتهم هل كان ينشره ليفضحهم ام ينشره ليصلحهم؟

وللأجابة على هذه الاسئلة  اقول انه تبارك اسمه كان يتعامل مع الغسيل الوسخ بثلاثة حقائق

اولها:- التأكيد على ان لكل منا جماعات او افراد رجال او نساء غسيله الوسخ.

ثانياً:- انه لابد من التعامل مع هذا الغسيل، لايمكن نشره وسخاً ولايمكن اخفاءه او اهماله.

ثالثاً:- لابد من الاعتراف بوجود الغسيل الوسخ ولابد من تنظيفه.

اما عن الحقيقة الاولى فبالتأكيد لكل منا كأفراد غسيله الوسخ، فماذا لو فتح المولى سبحانه وتعالى نافذة على قلب كل منا ودعى الناس ان يلقوا نظرة على ما بداخلها فكم من الغسيل الوسخ سيراه الخلق من حقد وكراهية، وتعصب ووثنية وطمع وغش وحسد ونفاق وكبرياء وزنى وغيرها من الامور التي يدنى لها الجبين.

ولكل زوج وزوجة واسرة غسيلها الوسخ التي تحاول اخفاؤه عن بقية الاسر والعائلات حتى تبدوا أفضل منهم، فمشاجرات الزوج والزوجة، ومحاولات الرجل للزواج من اكثر من امرأة وتطليق امرأته او ركنها في زاوية بيته وانحرافات الاولاد الاخلاقية وربما ادمانهم للمخدرات والمحرمات لخير دليل على ذلك ولكل جماعة وكنيسة ومذهب غسيلها الوسخ الذي تحاول اخفاؤه عن بقية الكنائس او الجماعات والمذاهب، ان زيارة واحدة الى الاجتماعات السنوية لبعض المذاهب، ان لم يكن كلها، والاستماع للمناقشات التي يجريها الرعاة والقسوس والشيوخ بعضهم البعض تؤكد ما أقول. وانا أعلم ان البعض ممن يقرأون هذا المقال سيقولون لماذا ننشر الغسيل الوسخ، ببساطة لاننا نحتاج الى تنظيفه.  فعلى سبيل المثال تغلى المذاهب الصغيرة المسيحية في مصر من هضم حقها من التمثيل في المجلس الملى الانجيلي العام، فمذهب واحد به اقل من ثلث عدد الكنائس في مصر يمتلك ثلثي مقاعد المجلس ولا احد يريد ان يتكلم لأننا لانريد نشر غسيلنا الوسخ امام بقية الطوائف المسيحية  وماذا عن علاقاتنا بالطوائف المسيحية الاخرى وأقصد الكنيسة الكاثوليكية والارذثوكسية، فالخلافات بينها واضحة لايمكن اخفاؤها، فهناك خلافات في التعليم وخلافات في التمثيل امام الحكومة، وخلافاتنا حول من هي الكنيسة الام ومن هم المستوردون من الخارج حتى طريقة وصولنا للنعيم الابدي نحن نختلف عليها.  ونظهر في المجتمع معانقين بعضنا البعض ومهنئين فنعم فنحن في مجتمع اسلامي ولايجب نشر غسيلنا الوسخ وفي الخفاء تصدر القرارات والفرمانات التي تحرم على الكهنة والقسوس من التعامل مع بعضهم البعض، وحتى افراد الاسرة الواحدة ينقسمون على بعضهم البعض اذا تجرأ احدهم وأنظم عضواً في كنيسة من طائفة غير طائفته، ولعل اوضح مثال عى ذلك هو ان المسيحيين مختلفي الملة يعاملون معاملة المسلمين في المحاكم  الدنية المصرية حينما تأتي لمسألة الطلاق الذي قال عنه الولى تبارك اسمه " الطلاق الذي تبغضه نفسي". وماذا عن قضايانا المعلقة بين المسيحيين والمسلمين في مصر والبلاد العربية وهم أخوة في وطن واحد لكنهم يختلفون حتى على ملكية هذا الوطن، فمن هي مصر الحقيقة، أهي الفرعونية الوثنية، ام القبطية الارذثوكسية ام هي الاسلامية السيئة ماذا عن خلافاتنا حول طريقة ورود النعيم الابدي والافلات من عذاب القبر والنار وهو منتهى آمالنا جميعاً كبشر، وهو مالابد ان يعرفه الأنسان اعربي المسيحي والمسلم واليهودي فالامر متعلق بمصيره الابدي فالموضوع مصيري خطير وكحلاً عملياً للتعامل مع غسيلنا قبل نشره أقول لماذا لا يجلس جماعة من علمائنا واولى الامر منا من مسيحيين ومسلمين ويبحثون هذه الامور بتواضع ومحبة وقبول للطرف الاخر كأخ في الانسانية والوطن والمصير المشترك، لا باسلوب المناظرات والمحاورات وفرد العضلات لاظهار من هو الخاسر والرابح او من هم على صواب او خطأ، لماذا نضمر شيئاً في قلوبنا ونظهر عكسه في لقاءاتنا وافطاراتنا الرمضانية وأعيادنا.  المشكلة اننا ابناء وطن واحد ولايجب نشر غسيلنا امام الدول الاخرى.

يحاول كل منا اخفاء غسيله الوسخ بعدة طرق، فالبعض ينشر غسيل الغير ولاينظر لغسيله هو ويظن ان في اظهار عيوب الأخرين ونشر اسرارهم وفضحهم سيخفى مالديه من العيوب وفي ذلك قال سيدنا المسيح تبارك اسمه " يا مرائي لماذا لاتنظر الى القذى التي في عين أخيك ولاترى الخشبة التي في عينك"  والبعض يحاول اخفاء غسيله الوسخ باسقاطه على الاخرين كل أخطاءه وعيوبه فيصف الاخرين بما يعاني هو منه ويقول له سيدنا له المجد " كلما اردتم ان يفعل الناس بكم افعلوا أنتم ايضاً"

والبعض يخاف من ان ينفضح امره وينشر غسيله فيصبح سلبياً يرى المنكر فلا يفكر في تقويمه لابيده ولابلسانه ولابقلبه وهو اضعف الايمان فيكتم الحق بالباطل ويعوج القضاء. 

ثانياً:- لابد من التعامل مع الغسيل الوسخ اي عدم اخفاءه وفي نفس الوقت الوقت عدم نشره وسخاً فلماذا يصير الناس على اخفاء وعدم نشر الغسيل الوسخ وفي الوقت نفسه يخفونه ولايريدون التعامل معه؟

اقول ربما كان السبب ان الناس يخافون من الفضيحة وكلام الناس، ربما يخاف البعض من العقاب الديني او البوليسي فقد يتهم من يريد ان يتعامل مع الخلافات بين الاديان بالزندقة والكفر والشرك والتمرد على الدين او العادات والتقاليد او حتى التمرد على تطبيق هذه الامثال التي توارثناها وطبقناها على حياتنا فكبلتنا وشلت تفكيرنا واعاقتنا من اصلاح امور ديننا ودنيانا وتركتنا تحت وطأة الخوف من العقاب على اختلاف أنواعه.

ولنا مثلاً حياً في التعامل حتى مع غسيل الانبياء الوسخ في كتاب الله التوراة والانجيل فلقد ذكر المولى تبارك وتعالى خطية موسى كليمه، وداود نبيه وبطرس تلميذه، وغيرهم ونشرها في كتابه تبارك اسمه بعد غسلها وغسلهم وتنظيفهم من اوزارهم.  وعملاً بعدم نشر الغسيل الوسخ يقول البعض انكم تذكرون خطايا الانبياء في كتابكم وهم لايعلمون ان الأنبياء موسى وداود وغيرهم الذين نشروه بعد غسله وبطرس اقر بذنبه وتاب ورجع الى ربه.

ثالثاُ:- تنظيف الغسيل الوسخ وبعدها نشره.

لعل أهم ماعمله وعلمه السيد المسيح تبارك اسمه في هذه النقطة انه كشف للفرد خباياه، ثم قبل توبته، ثم رده الى مكانه. لقد انكر بطرس التلميذ سيده المسيح أمام العبيد والجواري، وفي عتاب نظر اليه السيد فأعترف بخطيته وتاب وبكى بكاءً مراص وبعدها رده السيد المسيح مكانه كمقدام للرسل ثم نشر لنا هذه القصة المحزنة المفرحة في كتابه تبارك اسمه. لقد امسكت امرأة في ذات الفعل وهي تزني واتى بها رجال اليهود الى السيد تبارك اسمه ونشروا غسيلها الوسخ وجروها امام الجميع وطلبوا منه ان يوافقهم على ان يرجموها.  واراد السيد ان  يقول لهم انكم انتم ايضاً ياشيوخ اليهود لديكم غسيلكم الوسخ الذي لم تتعاملون معه الان ولم تعترفوا به، ولكنه في حكمته ورحمته لم يشأ ان ينشر غسيلهم الوسخ على الملأ ( وحتى بين بعضهم البعض) فأنحنى الى اسفل وأخذ يكتب باصبعه على الارض، لعله كتب خطايا هؤلاء اليهود ثم قال لهم قولته الشهيرة من كان منكم بلا خطية فليلقها اولاً بحجر فأنصرفوا مبتدئين من الشيوخ. ثم عالج المرأة وغسل غسيلها بل غسلتها هي حين قال لها يأمراة اين هم المشتكين عليك، اما دانك احد، قالت لاأحد ياسيد قال لاسيدي المسيح ولا أنا ادينك أذهبي ولا تخطئي ايضاً.

ان مبدأ عدم نشر الغسيل الوسخ وفي نفس الوقت عدم التعامل معه والاعتراف به وغسله ونشره نظيفاً مبدأ ارساه رئيس مملكة الظلمة والوسواس الذي يعمل كل أعماله في الظلمة ويخشى اخراجها للنور، اليس هو الذي أغوى آدم وحواء بالمعصية حتى آكلا من الشجرة المحرمة ثم اقنعهما بعد الاعتراف ونشر غسيلهما الوسخ وجعل آدم يختبئ من وجه الرب الاله قائلاً له سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فختبأت.

ان اتباع ومطبقي عدم نشر الغسيل الوسخ وعدم غسله ونشره يدفنون رؤسهم في الرمال في عصر الأقمار الصناعية والانترنت وتحاليل ال دي ان اه    وهم لايعلمون ان كلمات السيد المسيح تبارك اسمه تتحقق حرفياً اليوم فما يتكلمون به في مخادعهم ينادى به فوق السطوح، وما يخفونه في صدورهم ينبأهم به جل شأنه على املا، وما يفعلونه في كواليسهم وغرف الغاز والتعذيب والمقابر الجماعية لابد لها ان تظهر على مرآى من الجميع ومن عمل مثقال ذرة شراً يرى ومن عمل مثقال ذرة خيراً فان ربك ليس بظلام للعبيد.

لقد ارتكب الرئيس الامريكي السابق وصاحبته مونيكا الخطيئة في أكثر الاماكن سرية على الأرض اليوم ، البيت الأبيض، وأخفت مونيكا غسيلها الوسخ، فستانها الذي تلوث من كلينتون، وأنكر الرئيس الأمريكي السابق فعلته ولم يشأ ان يعترف لا لربه ولا لشعبه، ففاحت رائحة الفستان الوسخ في دولاب مونيكا وأنتهى الامر بنشر الغسيل الوسخ وأصبح كلينتون ومونيكا من الخاسرين.  واين هو صدام حسين اليوم، لقد اختبأ في حفرة بعد ان عاش حياته متنعماً في قصوره الفيحاء، ودفن أسراره في حفرته تحت الارض ومن هناك أخرجته يد القادر على كل شيء وأنفضحت الأسرار.

أخيراً احذر من اخفاء الغسيل الوسخ هو لاننا جميعاً سنقف أمام السيد المسيح في الاخرة للحساب يوم لا ينفع مال ولابنون وغسيلنا ان لم نطهره من الارض لن ينفعنا في السماء ولابد ان يعلن في اليوم الأخير على الملأ. أخيراً أقول ان دم السيد الرب يسوع المسيح يطهر من كل غسيل وسخ ويضمن لك الحياة الأبدية.

nagiatia@aol.com

 

HOME | ABOUT US | SONGS | THE HOLY BIBLE | F.A.Q. | IMAGE GALLERY | HOW CAN I HELP | ENGLISH