صباح الخير يا كنيسة

يطالعنا التليفزيون العالمي كل صباح ببرنامج "Good morning America" صباح الخير يا أمريكا، كما يطالعنا التليفزيون المحلي ببرنامج صباح الخير يا مصر، وفكرة هذا البرنامج رائعة، وهي استقبال اليوم الجديد بنظرة متفائلة متحدثة عن الخير، والمحافظة على المشاهدين أو المستمعين في حالة من المعرفة المتجددة بالمتغيرات اليومية في هذه البلاد كما في العالم أيضاً وإطلاعهم على آخر أخبار الحياة كلاً من وجهة نظره. لكن ماذا عن الكنيسة الناطقة بالعربية، ولا أقصد في بلادنا العربية فقط بل وأيضاً المتغربة في شتى بقاع العالم، هل هي نائمة أم منومة أم متغيبة، هل أفاقت من نومها العميق وسباتها الذي يشبه الهابطين إلى القبور، هل من يُعَدْ ويقدم لها برنامج "صباح الخير يا كنيسة". أعلم أن بعض المتربعين على عرش المناصب الكنسية العربية منذ عشرات السنين يرون أن الكنيسة بخير وأنها مستيقظة ومؤثرة في العالم حولها، لكنهم في قرارة نفوسهم يعلمون أن هذا إدعاء لا يرقى لمستوى الحقيقة. فالواقع غير ذلك تماماً. في عام 1985 وكان العالم كله قد بدأ يتحدث عن الألفية الثالثة ويستعد لها في كافة المجالات، جاءتني فكرة جريئة، لماذا لا نعقد مؤتمراً مصرياً عربياً مسيحياً تحت عنوان "الكنيسة العربية سنة 2000" ندرس فيه مستقبل الكنيسة العربية ونخطط له، وتجرأت، وكنت وقتها مازلت بين تعداد الشباب في العمر، وطرحت الفكرة على بعض المسئولين يومئذ عن كنيستنا "الإنجيلية بمصر" وإليك بعض التعليقات التي أخذتها رداً على إجترائي بأن أطرح هذه الفكرة التي اعتبرها البعض جريئة والبعض مستوردة وحتى خطيرة على أمن الكنيسة وأمانها في مصر، ولعلي أذكر هذه الواقعة لأن الأمر لم يتغير كثيراً حتى الآن، إلا أن لنا اليوم رئيساً للطائفة الإنجيلية الدكتور القس "صفوت البياضي"، يتطلع للمستقبل ويرحب بالأفكار الجريئة ويسهر على دراستها وتنفيذها. يومئذ رأى البعض أننى شاب متهور استورد الأفكار الغربية وخاصة الأمريكية وأحاول تطبيقها على مجتمعنا الشرقي المحافظ، الذي تربى على العادات والتقاليد الصحيحة والأمثال الشعبية وأهمها "ساعة الله يعين الله"، "ولا تهتم بالغد يكفي اليوم شره"، "والمستقبل في يد الله"، "وسبحان علام الغيوب"، "وخليك في حالك لا يتقل مقدارك"... الخ. ومنهم من هز رأسه في حزن ونظر إليَّ بإعجاب وقال: "تعجبني أفكارك أنت سابق عصرك وأوانك" ولكن كيف سنجد عشرة أو خمسة عشر شخصاً يتطلعون للمستقبل ويعرفون معنى التخطيط لما هو آت ليحضروا هذا المؤتمر، فما تقوله فكرة نظرية جميلة غير صالحة للتطبيق. ومنهم من قال بفشل: "الكنيسة نائمة وستظل نائمة ولا تتعب نفسك فسوف ينقذها ويوقظها الرب يسوع في مجيئه على الأرض ثانية"، ومنهم من أكد لي أنه لا ينبغي أن أقلق على الكنيسة أو اهتم بمستقبلها، فالكنيسة عروس المسيح وليست عروستك أنت، على حد قوله، وعريسها هو المسئول عنها وليس أنت". لكن أعجبهم كان مَن رأى أن هذه فكرة ليست جريئة ومستوردة فقط بل وهي فكرة استعمارية سوف تنبه الحكومات العربية إننا نخطط لمستقبل الكنيسة، وعندها سوف يتعقبونا ويضطهدونا وقد يغلقون لنا الكنائس القائمة الآن. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، إذاً المشكلة ليست في الحكومات العربية ولا أجهزتها البوليسية، ولا حتى في الجماعات الدينية المعتدلة منها أو المتطرفة والتي تخالفنا في الدين والعقيدة، والتطلعات والآمال، المشكلة في أن الكنيسة نائمة وليس من ينقذها قائلاً: "صباح الخير يا كنيسة". والأمر ليس غريباً، فالعروس بطلة سفر نشيد الأنشاد، والتي يرى الغالبية العظمى من تلاميذ الكتاب المقدس أنها تشير إلى الكنيسة في العهد الجديد، وعريسها الذي يجمع تقريباً الكل على أنه السيد الرب يسوع المسيح (تبارك اسمه)، عروس النشيد هذه كانت نائمة وكانت مخدوعة ظانة أن قلبها مُستيقظ، ولكن الحقيقة أنها كانت نائمة وقلبها وعقلها نائم وغائب ومُتغيب، حتى أنها تركت حبيبها رب لسماء والأرض يقف على باب بيتها طوال الليل حتى امتلأت قصصه من الطل ورأسه من ندى الليل. ومظاهر نوم الكنيسة العربية كثيرة على أي حال، فالكنيسة منفصلة تماماً عن الواقع المحلى والعالمي، فما يُنادي به من المنابر الكنسية في أغلب الأحيان ومعظم الكنائس، لا يعبر عن الاحتياج الحقيقي للشعب المسيحي العربي، فنسبة الأمية بكل ما يتعلق بالكمبيوتر والإنترنت، والـ e.mail لدى الأحباء الرعاة لا تقل عن 95%. ولا زالت أغلب العظات التي تلقى في الأحد صباحاً من كتاب رجال الكتاب المقدس، وإيماني، ونساء الكتاب المقدس، وفهرس الموضوعات الكتابية. ولا تفاعل بين الكنيسة العربية والمجتمع الذي تعيش فيه إلا في الزيارات الرسمية التي يقوم بها المسئولين لنظرائهم من قادة رجال الأديان الأخرى وغيرهم. والغالبية العظمى من قادة الكنائس والعمل المسيحي في الشرق الأوسط لم يسمعوا من قبل تعبير "خطة قصيرة الأمد" و"خطة طويلة الأمد"، وهم يظنون أن التخطيط لمستقبل الكنيسة إنما هو معوق لعمل الروح القدس وضد الإرشاد الإلهي في السير بالكنيسة، فهم ينتظرون حدوث المصيبة أولاً ثم يطلبون إرشاد الروح القدس في حلها، فلا عجب من ذلك فكثير من رعاة الكنائس والقادة والوعاظ لا يجهزون لعظاتهم ولا يفكرون فيما سيقولون من المنابر إتكالاً على إرشاد الروح القدس وعملاً بالنص الكتابي "أفغر فاك وأنا أملأه" مع أن هذه الكلمات لا علاقة لها بالتخطيط والدراسة والإعداد لا لعظة يوم الأحد ولا لمستقبل الكنيسة في مصر ولا مستقبل الكنيسة العربية عامة. ولم تستيقظ الكنيسة عندما خرجت منها جماعات مسيحية تطرف قادتها وألقوا ولا زالوا حجارتهم عليها، ولم تستيقظ الكنيسة يوم كانت البرامج التليفزيونية لتهين سيدها وعريسها القادر على كل شيء شخص الرب يسوع المسيح وتتهمه بأشنع التهم وهو المنزه سبحانه عن الخطيئة فهو الذي لم يعمل خطية ولم يكن في فمه غش، واكتفى يومئذ المسئولون عن الكنيسة بالصلاة لذلك الداعية بأن يغفر له المولى ويتوفاه من الصديقيين والأبرار. ولم تستيقظ الكنيسة بعد أن هجرها خيرة شبابها وفضلوا اجتماعات البيوت على اجتماعاتها. واليوم وقد دخلنا عصر الأقمار الصناعية والإنترنت، كما دخلنا عصراً جديداً فيه تتطاول بعض الصحف العربية على قادة الكنيسة ورجالها وطوائفها بل ومعتقداتها بدعوى حرية الصحافة، ونشر الرأي والرأي الآخر، في مقالات وتحقيقات مغرضة وخالية من كل نزاهة صحفية ومُثيرة للفتن الدينية والطائفية، اليوم أصبح لازماً على الكنيسة أن تفيق من سُباتها، لابد للعودة إلى نفس الفكرة الجريئة مرة أخرى، لابد من التخطيط لمستقبل الكنيسة الناطقة بالعربية. هناك خطورة أن تظل الكنيسة لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم، إن الكنيسة لا تسمع زمجرة الأسد الشيطان عدونا الأوحد وخصمنا الذي يجول ملتمساً من يبتلعه وإذا سمعت صوته فأنها تكتفي بأن تنتهره وتردد بعض العبارات المستحدثة في اجتماعاتنا مثل "نحن ننتهرك في اسم لرب يسوع" "نحن نضعك تحت الأقدام يا عدو كل بر" "نحن نقيدك بقوة الرب يسوع" ويتفاءل البعض ويقولون "نحن نرسلك إلى الهاوية الآن" وغيرها من العبارات التي لا تنفع ولا تشفع فالشيطان بخير وله رؤية وخطة وأساليب مختلفة ليقمع بها كنيسة الله ويفرق قادتها وأولادها، ويزلق رعاتها وكهنتها في ملذاتهم وشهواتهم وخططهم في إرضاء غرورهم وكبريائهم، ولا يُضيره كثيراً الانتهارات والتشنجات الصادرة من الكنيسة التي تَغُط في نومها وتحتاج لبرنامج "صباح الخير يا كنيسة". لكن ترى ما هي الأسباب التي أدت إلى نوم الكنيسة الناطقة بالعربية، الكنيسة نامت لأنها مرهقة ومجهدة من كثرة الخلافات الطائفية والعقائدية وسهرها الليالي للتفكير في كيف تتحكم في أعضاءها وتضعهم تحت سيطرتها، وكيف تسحب منهم اعترافاتهم بما اقترفوا في حق أنفسهم وغيرهم ليدوروا في فلكها وتحت أمرها. وآخرون يتصارعون على من هو الأعظم ومن هو صاحب النظام الكنسي السليم والتعاليم والعقائد الكتابية، ثم من سيفوز بمقاعد المجلس ورئاسة المذاهب المختلفة. والكنيسة نامت لأنها خائفة، فهي صغيرة وقليلة الإمكانيات المادية والبشرية، وعدوها جبار فما كان إلا أنها بكت كثيراً بسبب ضربها وتخويفها وبسبب تجويعها، فأصبحت مريضة تعانى من سوء التغذية ونست أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان في احتياجها وبطائها وخوفها أن لها سيداً وولياً حياً يُحيي الموتى ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة. فالكنيسة لا تعرف إمكانياتها في شخص المسيح يسوع. وقد يقول قائل وماذا تستطيع أن تعمل الكنيسة إذا استيقظت من نومها، وللإجابة أقول أن الكنيسة تستطيع أن تفتن المسكونة وتدعو لملكوت السلام والمحبة والفرح بملك السيد المسيح على القلوب. إن الكنيسة تستطيع أن تُغير حالة العالم فلها سلطان من سيدها أن تحل وتربط على الأرض، تفتح أبواب وتغلق أبواب وتخطف النفوس من أبواب الجحيم، وتفتح أبواب السجون وتطلق الأسرى وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. أليس هذا عَين ما فعلته الكنيسة الأولى وكانت قليلة العدد والحيلة في مجتمع يهودي مُتحجر ومتعصب ومتطرف ومُفتري، وفي إمبراطورية رومانية منحلة وفاجرة. وفي النهاية أقول أن الكنيسة لن تستيقظ إذا إلا حَنَّت إلى المسيح أحشائها، ورجعت لكتابها المقدس الإنجيل الكامل. وفي النهاية أقول على كنيستنا العربية أن تستيقظ وتعود إلى مجتمعنا الأول والرجوع إلى الحق الكتابي الموجودين كلمة وعندئذ نقول: "صباح الخير يا كنيسة". للتواصل nagiatia@aol.com

HOME | ABOUT US | SONGS | THE HOLY BIBLE | F.A.Q. | IMAGE GALLERY | HOW CAN I HELP | ENGLISH